ابن قيم الجوزية

127

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

عقيل بن خالد عن الزهري أن ابن عباس قال : « إن في الجنة نهرا يقال له البيدج عليه قباب من ياقوت تحته جوار يقول أهل الجنة انطلقوا بنا إلى البيدج فيتصفحون تلك الجواري فإذا أعجب رجلا منهم جارية مس معصمها فتتبعه » . ( فصل ) وأما العيون فقد قال تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وقال تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً قال بعض السلف معهم قضبان الذهب حيثما مالوا مالت معهم ، وقد اختلف في قوله يشرب بها فقال الكوفيون الباء بمعنى من أي يشرب منها وقال آخرون بل الفعل مضمن ومعنى يشرب بها أي يروى بها فلما ضمنه معناه عداه تعديته وهذا أصح وألطف وأبلغ ، وقالت طائفة الباء للظرفية والعين اسم للمكان كما تقول كنا بمكار كذا وكذا ونظير هذا التضمين قوله تعالى : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ ضمن معنى يهم فعدى تعديته وقال تعالى : وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا ، عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صرفا أن شراب الأبرار يمزج منها لأن أولئك أخلصوا الأعمال كلها للّه فأخلص شرابهم ، وهؤلاء مزجوا فمزج شرابهم ، ونظير هذا قوله تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ، وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ فأخبر سبحانه عن مزاج شرابهم بشيئين بالكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها ، فإن في الكافور من البرد وطيب الرائحة ، وفي الزنجبيل من الحرارة وطيب الرائحة ، ما يحدث لهم باجتماع الشرابين ومجيء أحدهما على أثر الآخر حالة أخرى ، أكمل وأطيب وألذ من كل منهما بانفراده ويعدل كيفية كل منهما بكيفية الآخر وما ألطف موقع ذكر الكافور في أول السورة والزنجبيل في آخرها فإن شرابهم مزج أولا بالكافور وفيه من البرد ما يجيء والزنجبيل بعده فيعد له ، والظاهر أن الكأس الثانية غير الأولى وأنهما نوعان لذيذان من الشراب ( أحدهما ) مزج بكافور و ( الثاني ) مزج بزنجبيل وأيضا فإنه سبحانه أخبر عن مزج شرابهم بالكافور وبرده في مقابلة ما وصفهم به من حرارة الخوف والإيثار والصبر والوفاء بجميع الواجبات التي نبه على وفائهم بأضعفها وهو ما